عبد الله بن المدني

اسمه، نسبه وولادته

هو الشيخ عبد الله الملقب بأبي عطاء الله ابن الشيخ المدني، ولد بقرية تسمى "أولاد جْميع" بنواحي الريصاني من بلاد تافيلالت، سجلماسة، التي تعرف اليوم بالراشدية، من أقاليم المملكة المغربية؛ وكانت ولادته في عام 1372هـ 1952م.

نشأ الشيخ وتربى في كنف والده الشيخ المدني رحمه الله الذي كان من خريجي جامع القرويين بالعاصمة العلمية فاس العامرة، وأحد أساطين المذهب المالكي في وقته، فلقي من والده المعظم من الرعاية والملاحظة ما ظهر أثره في حياته العلمية والعملية.

طلبه للعلم

بدأ شيخنا رحلته في طلب العلم بحفظ كتاب الله تعالى، ثم شرع في حفظ المتون العلمية الأساسية الأولية المعروفة عند طلبة العلم، كالمقدمة الآجرومية في النحو، ولامية الأفعال لابن مالك في الصرف وألفية ابن مالك في النحو والصرف، ومنظومة الشيخ عبد الواحد ابن عاشر في الفقه المالكي، والرسالة لابن أبي زيد القيرواني في الفقه المالكي ومختصر خليل في الفقه المالكي، والتحفة لابن عاصم.

وظل عند والده، ينعم بقربه ويأنس بحنانه وعطفه، ويشبع نهمه من بحـر علمه، فتلقى منه شرح كثير من المتون في العلوم الشرعية، وكان يسهر معه الليالي ويحرص عليه كل الحرص، وقد ظهر أثر ذلك الحرص على شيخنا عبد الله، حيث إنه وعى صدره علوما شتى لا يشق له غبار فيها، ورحم الله من ورث لأبنائه وأبناء أمته علما نافعا وجعل الله ذلك من الصدقات الجارية التي يصل ثوابها إلى الميت في قبره.

ولما أحس الشيخ بالحاجة إلى مزيد الاغتراف من العلم الذي لا نهاية لحدوده تاقت نفسه إلى شيوخ آخرين؛ فقيض الله له بعض الشيوخ مثل الشيخ العالم الأديب الكبير الرحالة تقي الدين الهلالي رحمه الله، فازداد شيخنا منه ومن غيره علما، ولاسيما العلوم التي لم تكن تدرس في تافيلالت كالتفسير وعلم الحديث والأدب العربي وغير ذلك مما يسره الله لشيخنا، وهكذا نشأ الشيخ محبا للعلم راغبا في تلقيه.

اشتغاله بالتدريس والدعوة إلى الله

لما أنس الشيخ من نفسه القدرة على العطاء جلس للتدريس والإفادة لعلمه بأن زكاة العلم تبليغه ونشره بين الناس، وبدأ الشيخ نشر العلم في بعض مساجد بلاده، فكان لا يحل بمسجد من مساجد تلك الربوع إلا وحوله إلى مدرسة من مدارس العلم، فيتقاطر عليه الطلبة الراغبون في طلب العلم، فيقرأ معهم ما يناسبهم من علوم وفنون.

وكان أول مسجد حط فيه شيخنا رحله وبدأ فيه مسيرته المباركة هو مسجد " أولاد يحيى السيفة " وقد مكث في هذا المسجد يعلم الطلبة ويؤم الناس ويخطب فيهم نحو خمس سنوات، ثم انتقل إلى مسجد آخر بالمنطقة يقال له" مسجد أبوعام بمركز الريصاني" فمكث فيه مدرسا وخطيبا لمدة سنتين، ثم لما تأسس معهد مولاي علي الشريف بمدينة أرفود دعي الشيخ ليدرس فيه فانتقل إليه ومكث فيه يدرس نحو ثلاثين طالبا لمدة خمس سنوات، وكانت له خطبة في مسجد البطحاء بأرفود في هذا الوقت’ ثم انتقل إلى هذا المسجد بصفة رسمية إماما وخطيبا ومدرسا ومكث فيه خمس سنوات أخـرى.

واستمر على هذا الحال يعلم الطلبة ويرشد الناس إلى الخير إلى أن ضيـق عليه بسبب وشاية الوشاة وحسد الحاسدين أعداء كل مصلح، وهذا حال الدنيا لا تصفو من الأكدار ولا تخلو من المنغصات، فلما ضاقت به تلك البلاد رحل إلى مدينة فاس في أواخر 1408هـ1989م، وفي تلك المرحلة توفيت له زوجته الأولى رحمها الله وتركت له أربعة أولاد، فتوالت عليه الهموم، ولكنه صبر واحتسب، لأنه عرف ما قصد، ومن عرف ما قصد هان عليه ما وجـد.

ولم يمض على استقراره بمدينة فاس إلا وقت يسير حتى جاءته دعوة من مدينة بني ملال عروس الأطلس من أجل تأسيس مدرسة دار القرآن الكريم لتعليم العلوم الشرعية, فانتقل إليها في سنة1410 هـ1990م، وبدأ مع ثلة من أهل الفضل والإحسان الغيورين على القرآن الكريم وأهله في بناء مدرسة ومعلمة مباركة كانت وستبقى من حسنات مدينة بني ملال، بل ومن حسنات مغربنا الحبيب.

إذا ذكر الشيخ عبد الله بن المدني ذكرت معه هذه المدرسة أو ذكرت ذكـر معها لأنهما متلازمان’ فهو الذي سعى وكافح وواصل ليله بنهاره حتى جعل منها قبلة لطلاب العلم يؤمونها ويشدون إليها الرحال، ويحطون عندها الآمال من أرجـاء المملكة السعيدة، مملكة أهل القرآن، من أجل أن يغترفوا وينهلوا من بحر علمه الزاخر، فتخرج على يديه عدد كثير من طلاب العلم, وكان مدرسا جذابا يشد إليه السمع والأبصار والأفئدة، بعلمه الغزير وشخصيته الفذة، مـن حيـث جمال السمت، وروعة الإلقاء وحسن البيـان، يعرف كيف يوصل المعلومة إلى طلابه بطريق الإشارة، وبجميل العبارة، ويضرب الأمثال، ويسأل الطلاب، ويعينهم ويرفق بهم، لعلمه بأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، كما نطق بذلك من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

يتميز الشيخ عبد الله في دروسه بأسلوب سهل ممتنع، وبيان ذلك أن أسلوبه واضح سلس، يختار لحديثه أدق الألفاظ وأجملها وأوفاها بالغرض، مـن غيـر تعقيد ولا تنافر، يفهمه العامي والمتعلم، ويصل إلى قلوب السامعين بسهولة وانسياب كالماء العذب الزلال، ومع ذلك فهو ممتنع، لأنه لا يقدر على صوغه وإجادته والتصرف فيه إلا من كان عالما متمكنا من لغة القرآن الكريم كالشيخ الفاضل، فلا عجب إذن أن ترى طلابه صباح مساء يحـنون ويعشقون سماع ما يصدر عنه من اللطائف والدقائق العلمية، التي تبعث في الأرواح انتعاشا، وفي الصدور انشراحا، وقد صدق أحد أصدقائنا الطلبة، وهو الأخ عبد الرزاق الصادقي حينما أنشد في حق الشيخ:

وذا علَمٌ وذا قمر مضيء    وذا ماءٌ تسير به السهـول
ألا أكْرم إذا بأبي عطـاء    إذا حلت بساحتك الفحـول

درس الشيخ في دار القرآن الكريم ببني ملال كثيرا من العلوم النقلية والعقلية، والمقام لا يتسع لتفصيل الكلام عن كل درس

من تلك الدروس، وإنما أشير إليها إشارة مختصرة:

  • درس ألفية ابن مالك في النحو والصرف.
  • درس الجوهر المكنون للأخضري في البلاغة.
  • درس متن السلم للأخضري في علم المنطق.
  • درس متن الورقات لإمام الحرمين في أصول الفقه.
  • درس ألفية مراقي السعود للشنقيطي في أصول الفقه.
  • درس المنظومة البيقوينة في مصطلح الحديث.
  • درس ألفية العراقي والسيوطي في علم الحديث.
  • درس منظومة المرشد المعين لابن عاشر في الفقه المالكي ومتن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، ومختصر الشيخ خليل، وكلاهما في الفقه المالكي أيضا.
  • درس عمدة الأحكام في أحاديث الأحكام.
  • درس علوم القرآن بكتابي مناهل العرفان للزرقاني ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان.
  • درس علم التفسير، مثل سورة البقرة.
  • درس السيرة النبوية بكتاب الرحيق المختوم.

ودرس غير ذلك من المتون العلمية المعروفة لدى طلاب المدارس الشرعية العتيقة في المغرب.

وكان لتلك الدروس التي ألقاها في دار القرآن أثر كبير في ترشيد أبناء المسلمين في هذا الوطن الغالي، وتحصينهم مـن الأفكـار الضالة والمنحـرفة، وهذا ما لا ينكره إلا جاهل أو متجاهل.

وله دروس الآن في مسجد الحي العصري ببني ملال في الفقه وأصوله في إطار البرنامج التعليمي الذي يشرف عليه المجلس العلمي لمدينة بني ملال.

ويشارك أيضا في برنامج تأطير الأئمة في إطار خطة ميثاق العلماء الذي يندرج في إطار تنفيذ التوجيهات السامية التي تضمنها الخطاب السامي لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في 26 رمضان 1429 (27 شتنبر 2008)، حيث أمر جلالته بتدشين مرحلة جديدة من الإصلاح الديني بإطلاق برنامج تأهيل أئمة المساجد ضمن خطة ميثاق العلماء، وفق برنامج محدد يشرف عليه المجلس العلمي الأعلى، بتنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية, ويتوخى هذا البرنامج توفير الأمن الروحي، والحفاظ على الهوية الدينية الإسلامية المغربية، المتميزة بلزوم السنة والجماعة والوسطية والاعتدال، والانفتاح والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وما يرتبط بها من مبادئ الإسلام السمحة.

ويكون هذا الدرس في السبت الأول والثالث من كل شهر في جميع جهات المملكة، وقد كلف الشيخ بتأطير الأئمة في مسجد أولاد يوسف المركزي بنواحي بني ملال.

وإلى جانب الدروس العلمية التي كان الشيخ يلقيها على طلابه تصدى للدعوة إلى الله تعالى بالكلمة الطيبة، سواء في الدروس العامة بدار القرآن الكريم أو في المجالس التي يـدعـى إليها فــي أي جهة من جهات المملكة، واستفرغ جهده وبذل وسعه من أجل تنوير العقول وبعث الهمم في النفوس، فكان لغرر دروسه ودرر مواعظه الأثر الكبير فـي إصـلاح مجتمعه، فجـزاه الله خيـرا وجعل ذلك في ميزان حسناته.

وطريقته في الدعوة إلى الله تعالى هي ما رسمه الله عز وجل في قوله الجليل "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن".

وقد صدق شيخه تقي الدين الهلالي رحمه الله حينما لقبه بعميد الدعوة إلـى الله تعالى، كما حدثني الشيخ نفسه بهذا.

ونظرا لنشاطه العلمي وحرصه على الدعوة إلى الله فقد دعي إلى بعض البلدان في الشرق وفي الغرب لإلقاء محاضرات علمية، فلبى الدعوة ومثل بلده خير تمثيل، وسافر إلى بلدان الخليج العربي كدولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، وسافر إلـى تركيا، وإلى دول غربية كفرنسا.

ولعلمه بأن وسائل الإعلام أصبحت وسيلة من وسائل الإصلاح أو الإفساد لم يتردد في تلبية دعوات بعض وسائل الإعلام من صحف ومجلات وقنوات تلفزيونية من أجل نشر الخير والتعاون على البر والتقوى، فقد أجرت معه مجلة "رسالة المعاهد" حوارا ممتعا في عددها السابع، لشهر ذي القعدة عام 1419هـ. مارس 1999م.

وحاورته أيضا جريدة "الرسالة الجهوية" في عددها الثاني عام 1424هـ 2003م.

وله دروس في شرح رسائل الجنيد والحكم العطائية بكرسي الإمام الجنيد بمسجد الرياض منطقة أكدال في مدينة الرباط.

وهذه الدروس وغيرها من دروس الكراسي العلمية تبثها قناة محمد السادس للقرآن الكريم، وعليها إقبال كبير داخل الوطن وخارجه.

والهدف من كرسي الإمام الجنيد كما جاء في التعريف بهذا الكرسي:

  • تخليق القلوب بمحبة الله وترسيخ القيم السامية في نفوس الناس.
  • ترشيد السلوك الديني العام للمواطنين بما يؤمنهم روحيا ويدمجهم اجتماعيا.
  • تمتين الروابط الروحية بين جميع المكونات الثقافية والاجتماعية والقبلية للمجتمع.

من أخلاق الشيخ وصفاته

لم يصل الشيخ إلى ما وصل إليه من مكانة طيبة فـي قلوب الناس بالصدفة، وإنما مرد ذلك إلى توفيق الله تعالى أولا، ثم إلى ما يتحلى به من أخلاق حميدة أسرت وتأسر كل من التقى به وخالطه وجالسه.

ولا بأس أن أشير هنا إلى بعض أخلاق الشيخ وصفاته التي رأيتها فيه وشاهدتها، وليس من رأى كمن سمع، فقد جالست الشيخ ودرست عليه وكنت قريبا منه لمدة تزيد على ثلاثة عشر عاما.

ومن هذه الأخلاق:

  • الإخلاص في العمل، فلم يكن الشيخ طالب شهرة ولا باحثا عـن السمعة، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا. خلع من صدره الشغف بمناظر النعيم، ولم يمل إلى مضاجع الراحة، وهـي طـوع يمينـه، واستبدلها بالتوجه إلى معالي الأمور وسبيل المجد، الذي لا يخلص سالكه من متاعب، ولا ينجو من ركوب الأخطار، إذ الغُرر لا تنال إلا بركوب الغَرر، والنعيم لا يدرك بالنعيم، متمثلا قول أبي الطيب المتنبي:
    وإذا كانـت النفـوس كبـارا    تعبـت في مـرادها الأجســام
  • طهارة قلبه من الغل والحسد، فكان لا يحمل ضغينة في قلبه لمن أساء إليه ولا ينتقم لنفسه من أحد ناله بأذى، وما أكثر ما تكلم فيه المرجفون واالسفهاء، فما نالوا منه إلا الصفح والعفو والدعاء لهم بالصلاح والفلاح.
  • ومن أخلاقه الطيبة البذل والسخاء، وقد كان يكرم طلابه وقاصديه ويواسيهم بما عنده، وفي حقه ومثله يصدق قول الشاعـر العربي:
    لا يألف الدرهم المضـروب صـرتنا    لكـن يمـر عليها وهـو منطلـق
  • ومن الصفات البارزة التي تميز الشيخ مـا آتاه الله من هيبـة فـي نفوس الناس، وذلك لا يرجـع إلـى خوفهم منه، وإنما يرجع إلى محبتهم لـه، وشتان بين من يهابه الناس خوفا منه وبين من يهابه الناس محبة له.
  • ومن أخلاقه الطيبة كراهيته للمدح والثناء عليه، بل وكراهيته للحديث عن سيرته وحياته، وكثيرا ما طلب منه تلميذه كاتب هذه السطور عفـا الله عنه، أن يحدثه عن حياته وسيرته فيعتذر ويقول بلسان الحال ولسان المقال : "لا أحسب نفسي من العلماء، وإنما أنا من طلاب العلم الذين لازالوا يطلبون العلم ويستفيدون كلما أتيحت لهم الفرصة، وما أنا إلا كما قال القائل:
    يظنون بي خيرا وما بي من خير    ولكنني عبد ظلوم كما تـدري
    سترت عيوبي كلها عن عيونهم    وألبستنـي ثوبا جميلا من الستر
    فصاروا يحبونني وما أنا بالـذي    يحـب ولكن شبهوني بالغيـر
    فلا تفضحني في القيامة بينهم    وكن لي يا مولاي في موقف الحشر
  • ومن أخلاقه وصفاته، حبه للعلماء وتوقيره لهم، وهذا أمر يعرفه طلاب الشيخ أكثر من غيرهم، فتراه في دروسه مثلا حينما يستعرض اختلاف علمائنا الأجلاء في مسألة من المسائل الخلافية، يذكر مستند كل واحد منهم فيما ذهب إليه، ويلتمس لهم الأعذار، ولا يتعصب لأحدهم، وإنما يدور مع الدليل والترجيح حيثما دار، فتعلم منه طلابه العلم وتوقيـر العلماء.
  • ومـن صفاته وأخلاقـه تفقده لأحوال طلابه وسؤاله عنهم، ومحبته لهم، وحرصه على إفادتهم بل والاستفادة منهم، وهذه غاية في التواضع.
  • ومن صفاته كذلك سرعة البديهة، وحسن الجواب، يعرف قصد السائل من سؤاله، ويعامل كل سائل بما يناسب حاله، وهذا باب مهم للعالم أن يتفطن فيه، لأن السائلين – وخاصة في المجالس العامة- أصناف ولكل غرضه من سؤاله، فمن لم يتفطن لهذا فربما أساء من حيث لا يقصد.
  • ومن أخلاق الشيخ التي حببته للناس أنه يحرص دائما على التعاون مع جميع أصناف المجتمع، فلم يتخذ لنفسه جماعة يوالي من أجلها ويعادي من أجلها، وإنما سلك سبيل الوسطية والاعتدال والانفتاح على الأمة بمفهومها الواسع، فبذل النصح للجميع عامتهم وخاصتهم، وحض على الخير والتعاون والمحبة وتأليف القلوب وتوحيد الصف ونبذ الفرقة والاختلاف المذموم، فأكسبه ذلك محبة الناس واحترامهم.

وخلاصة أخلاقه وصفاته، أنه علامة رباني، وداعية مصلح، ومرب من بركات عصرنا، أكرمنا الله تعالى به في زمن قل فيه أمثاله، فنحمد الله عـز وجل ونشكره على نعمه الكثيرة التي لا تحصى.

الشيخ والتأليف

لم يعتـن شيخنا الفاضل بتأليف الكتب، وعذره في ذلك يرجع في نظري إلى أحد سببيـن أوهما معا:

السبب الأول ما حدثني به في حوار أجريته معه في المسجد الحرام في شهر رمضان من هذا العام 1431هـ، من أن ما كتب من المؤلفات في العلوم الشرعية كاف وشاف، وهذا من تواضع شيخنا واحترامه للعلماء، وإلا فهناك مجالات تحتاج إلى من يكتب فيها، والشيخ نفسه ذكـر لي في الحوار أنه إذا يسر الله وزالت الشواغل فسيكتب في بعض القضايا المعاصرة، وخاصة المشكلات التي تطرح أمام الدعوة إلى الله، وتوظيف الأدلة الأصولية والمقاصدية وغيرها من الأدلة من أجل تحقيق القول في كثير من الأشياء التي مازال الجدال فيها قائما، لأن الجدال كله يرجع إلى عدم تحقيق علمي في المسائل المختلف فيها. وبتعبيـر علماء أصول الفقه والمقاصد" تحقيق المناط" أي أن كثيرا من الاختلافات التي نسمع بها أو نطالعها إنما سببها عند التأمل راجع إلى عدم تحقيق المناط فيها.

والسبب الثاني: تفرغه التام للتدريس والدعوة إلى الله بلسانه، فقد وجه همته السامية إلـى ما يـراه أهـم وأجـدى عنده، وكل ميسـر لما خلـق لـه، والمواهب موزعة بينا لناس، وقد فتح على الشيخ في التدريس والدعوة إلى الله بلسانه، فوجد أنسه وراحته ولذته في ذلك.

وكان من ثمار تفرغ الشيخ للتدريس تخرج عدد لا يحصى من الطلاب على يديه، وهم الآن بحمد الله منتشرون في طول البلاد وعرضها، وقد عم نفعهم وكثر خيرهم وانتفعت بهم أمتهم، فمنهم من سلك سبيل التعليم، ومنهم من سلك سبيل الإمامة والخطابة، ومنهم ومنهم.

ويكفي الشيخ فخرا انه أملى وألقى آلآف الدروس العلمية في فنون شتـى من علوم الشريعة لو جمعت وألفت منها كتب فستخرج في مجلدات.

نماذج من أسلوب الشيخ في الكتابة

مع أن شيخنا عبد الله لم يؤلف كتابا كما أشرت إلى ذلك فيما تقدم، إلا أنه كتب مقدمات لبعض مؤلفات وبحوث طلابه، بأسلوب يجمع بين جودة السبك وحسن النظم، وبالمثال يتضح المقال كما يقال، فهذه نماذج مما خطته أنامل شيخنا، وهي دالة على رصانة وجزالة أسلوبه.

  1. كتب في تقريظ كتاب تلميذة الشيخ الباحث العربي الدائز الفرياطي "الإمداد في معرفة علو الإسناد ثبت حافظ الحجاز ومسنده جمال الدين عبد الله بن سالم البصري المكي، فقال بعد المقدمة :

    " أما بعد: فقد التمس مني الابن النبيل، الأستاذ الجليل، السيد العربي الدائز – وهو بكل خير فائز- أن أكتب له مقدمة بين يدي هذا الكتاب الذي حققه محسنا بي ظنه، راجيا مني سؤله، وما أنا بالذي يظن به ذلك، ولا بأهـل لسلوك تلك المسالك، لأنـي مـا زلت طالب علم أسلك فيـه المسالك، فأسأل الله أن يقيني شر نفسي والمهالك، لكن رغبته لم تزل بالإلحاح داعية، وللإقدام منادية، حتى أنطقتني بهذه الكلمات الموجزة الآتية.

    أما الابن المحقق فقد عرفته في دار القرآن الكريم العامرة، وقد أتى للدارسة علي بها، وهو فتى يتوقد ذكاء، ويتنقل بين حلقات العلم ينهل منه صفاء، ثم لم تزل أسباب التوفيق تتهيأ له حتى وجد ضالته في رحاب الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية ...

    فألقت عصاها واستقر بها النوى    كما قر عينا بالإياب المسافـر

    فإذا به يتدثر بدثار العلم، ويتزين بزينة أهله، متجولا بين أحضان الخزانات، طائفا في رياض المكتبات، يبتغي تحقيق ما يطلب تحقيقه، ويضيف إلى ذلك ما تجود به قريحته.

    وها هو الآن يوفق لتحقيق هذا الكتاب القيم كتاب "الإمداد"، ويبدي فيه ويعيد، ويأتي فيه بالجديد.

    وبذلك أقول في شان تحقيقه:

    إنه قد أفاد وأجاد، وأتى على المقصود والمراد؛ بما وفق إليه في مقدمته من حسن العبارة، وبراعة الإشارة، وقد أتى فيه بجديد في العلم، ومفيد دل على حسن الإدراك والفهم، حيث جمع فيه بين أقوال أهل العلم التي يبدو بينها نوع من التعارض، ومن ذلك على سبيل المثال الاختلاف في كتاب "الإمداد"، فمن قائل : إنه كتاب واحد للابن، وآخر ينسبه للأب، وآخر يقول: إنهما كتابان، وبعضهم يجعله ثلاثة كتب.

    وقد استطاع المحقق أن يرفع ذلك التعارض بدراسة نسخ الكتاب المختلفـة، وبما نقله عن المحققين من أهل العلم من أنهما في الحقيقة كتابان أحدهما للابن وهـو مختصر، والثاني للأب وهو مطول – وهو الذي نقدم له الآن- وبذلك اتضح الإشكال، ووقع التأليف بين القوال، واستحق المحقـق مـن أهل العلم الثناء والإجلال.

    وبهذا الصدد لابد أن نذكر بان المحقق كان سباقا إلى العناية بمؤلفات حافظ الحجاز في عصره وأمير المؤمنين في الحديث العلامة عبد الله بن سالم البصري المكي (ت 1134هـ)، وإحياء سيرته،وتجديد ذكراه، فقد حقق له : "ختم جامع الإمام الترمذي" – ونشره قبل سنوات-، ثم أعقبه بإصدار كتاب: "الإمام عبد الله بن سالم البصري؛ إمام أهل الحديث بالمسجد الحرام"، وهـا هـو الآن يتبعها بتحقيق ثبت الإمام البصري : "الإمداد" الذي يعد من الأثبات الشهيرة المعتمدة في القرن الثاني عشر وما بعده.

    فبارك الله له في علمه، وسدده في فهمه، ونفعه ونفع به إنه سميع قريب مجيب.

    أملاه خادم العلم بدار القرآن الكريم عبد الله بن المدني كان الله له ليلة الخميس10 من رمضان سنة 1426هـ، في المسجد النبوي الشريف.

  2. وقال حفظه الله في تقريظه لكتاب أستاذنا عمـر المغـراوي "كشف اللثام عن تراجم الأربعة الأعلام : أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد" بعد المقدمة :

    " فهذه ثمرة من ثمار دار القرآن أخرى، وباكورة من بواكرها تترى، تضاف إلى تلكم السوابق الجلى، فشجرتها لازالت تؤتي أكلها كل حيـن بـإذن ربها، باسقة أغصانها، وارفة ظلالها، يخطها ويجنيها أخونا وحبيبنا "السيد عمر" ببنانه، ويهديها باقة من الزهور والورود إلـى طلبة العلم وعشاقـه، والمعانقيـن لعرائسه وأبكاره.

    إنه كتابه الذي ترجم به للأئمة الأعلام، الذين هم القدوة في أمة سيد الأنام، فقد نظم شمائلهم في عبارة سهلة لطيفة، وسمط جلائلهم في كلمات موجزة جميلة.

    وأئمتنا الكرام وإن كانت تراجمهم في الكتب مسطورة، ومناقبهم عند أهل العلم والفضل معلومة مشهورة، إلا أن الجديد في رسالة أخينا "السيد عمر" أنه ترجم للأئمة الأربعة في سياق متلاحم، وسـاق الكلام عليهم في نسـق متناغم، وصاغهم في حلقة مفرغة لا يدرى طرفاها، ولا يعرف مبدؤها من منتهاها، فجاءت رسالته لأطراف الموضوع شاملة، ولما نقل عن الأئمة الأعلام من مناقب جامعة ..."

  3. وقال في تقريظ كتاب صديقنا الفاضل عبد العزيز الأنصاري" إتحاف الأجيال بشرح متن تحفة الأطفال" في علم التجويد بعد المقدمة:

    وبعد: "فقد التمس مني الضابط المتقن والقارئ المتفنن أخي عبد العزيز الأنصاري لطف به ربنا الباري، أن أكتب لـه تقريظا على شـرحه الجامع، ومؤلفه الجليل، الذي شرح به متن "تحفة الأطفال" الموسوم بـ"إتحاف الأجيال بشرح متن تحفة الأطفال" فقلت وإن كنت لست من أهل هذا الشأن ولا ممن يمارسه مـن الفرسان : إن شرح أخينا بعد التأمل والمطالعة قـد جاء جامعا مانعا، مفيدا نافعا، أضاف فيـه إضافـة نوعيـة، وسلك فيه مسلك أهل الفطانة والتوعية، حرر فيه مسائل من هذا العلم الذي قل في هذه الآونة طالبوه، وعز في هذه الأزمنة دارسوه، جمع فيه قواعد جمة، وفوائد لمة، ونبه على أمور مكملات، وألف فيه بين شذور متفرقات، كما رسم فيه جداول توضح للطالب ما قد يشكل وتحل له من اللغز ما قد يعطل وزانه بإعراب جمله وكلماته، مبينا معاني مفرداته ومصطلحاته، بالإضافة إلى تلك الديباجة الطريفة، والمقدمة اللطيفة، التي أوضح فيها فضل القرآن وأهله، وبيان مبادئ هذا العلم وأصله، ولا أزعم له أو يزعم هو لنفسه الكمال في هذا الشرح المبارك، لكن حسبه أنه اجتهد في تقريب معانيه للطلاب، والإفصاح عن نكته لذوي الألباب.

    ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها    كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
    وقد قلت فيه هذه الأبيات:
    وإن ترد لتحفة الأطفال    شرحا جميلا واضح الأقوال
    مطـرز الألفاظ والمباني    موضح البيان والمعاني
    فدونك الشرح الذي وضعه    عبد العزيز وكذا حرره
    وحله بإتحاف الأجيال    بشرح متن تحفة الأطفال

    هذا وإني لأوصي إخواني وأبنائي من طلبة العلم بقراءته والاستفادة منه، فهو جدير بتحقيـق الطلب، وحـري بالوصول إلى الأرب، شكـر الله لأخينـا سعيه، وزاده من العلم ما نفعه، ونفع به غيره.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

    أملاه خادم العلم الشيخ عبد الله بن المدني ليلة الثلاثاء 13 جمادى الثانية 1432هـ.

  4. وقال في تقديمه لرسالة تلميذه الوفي صديقنا الأستاذ محمد اكجيم "سـد الذريعة، بحديث النهي عن شد الرحال إلا إلى الثلاثة، تقريرا لمعنى الحديث، وجوابا عم أورد عليه" بعد المقدمة:

    "وبعد: فإن الابن الأبر والحبيب الأغر، أبا الحسن محمد اكجيم حين من الله عليه بإنجاز هذه الرسالة الفذة الفريدة، دفعها إلي لأنظر فيها نظر الأب إنجاز ابنه ليدخل على نفسه السرور، ويملأها بالبهجة والحبور، فغمرني من الفرح ما يفوق العبارة، وما لا تحمله الإشارة، فحمدت الله الذي أكرمني برؤية هذه الثمرة المباركة من ثمار دار القرآن، أسأل الله أن يديم علينا ثمارها.

    هذا وإني لما جلت في رسالة ابننا بفكري العليل، ونظري الكليل، تبين لي أنه قد وفق وألهم، ولقن الحجة وفهم، فأثبت به الحجة على من أراد أن يفتح ذريعة في الحديث للوقوع في الزيارة غير المشروعة، وأزال عنه الشبهة لمن أراد أن يتعلق بها لإثبات شد الرحال إلى غير الثلاثة، وذلك بالجمع بين النصوص الواردة في الموضوع بطرق الجمع المعروفة عند أهل العلم، كرد المتشابه إلى المحكم وغيرها، بأسلوب واضح بين، ناقلا كلام العلماء بأمانة وصدق، وبإحالة وحق، لم يبخس المخالف حقه، ولم يتجاوز بالمحق قدره ..."

  5. وقال في تقريظه لبحث عبد ربه كاتب هذه السطور "دروس في شرح الورقات في أصول الفقه" بعد المقدمة:

    "أما بعد: فقد اطلعت على البحث الذي أنجزه الابن الحيـي والطالب الزكـي السيد محمد نحو، فألفيته نافعا مفيـدا جامعا مـن العلم قولا سديدا.

    عرف كيف يلخص شروح الورقات ويضيف إليها مما كتب في الموضوع شذرات، مازجا في بعض الأحيان بيـن الشروح القديمة والحديثة، مؤلفا بين التعاريف والحدود، بعبارة اجتهد في انتقائها، وتحرى في اجتبائها، مستشهدا بأبيات المراقي في موضعها المناسب.

    وبذلك يكون قد أدنى متن الورقات من طلاب العلم، وقرب معانيه ومسائله للفهم، وفتح لهم أبواب الترقي لمراقي السعود، ومهد لأذهانهم سبل العروج والصعود.

    فأنصح طلاب العلم بقراءته ودرسه وإفادته، فقد احتوى على فوائد جليلة وفرائد جميلة..."

    هـذا ما يسـر الله جمعه من سيـرة مختصـرة لشيخنا الفاضل عبد الله بـن المدني، والله أسأل أن ينفعنا بما تعلمناه من هذا الشيخ ومن علمائنا من المتقدمين والمتأخرين، وجزاهم الله عنا كل خير.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

    عبد ربه الفقير إلى عفو مولاه محمد الحسين نحو البوكمازي المغربي.

المصدر cheikhbelmadani.net